الشنقيطي
478
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومن ذلك أن الصحابة رضي اللّه عنهم جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة ، قياسا على ما نص اللّه عليه من قوله : فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [ النساء : 25 ] ثم ذكر رحمه اللّه آثارا دالة على أن الصحابة جعلوا العبد على النصف من الحر فيما ذكر قياسا على ما نص اللّه عليه من تنصيف الحد على الأمة . ومن ذلك توريث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه المبتوتة في مرض الموت برأيه ، ووافقه الصحابة على ذلك . ومن ذلك قول ابن عباس رضي اللّه عنهما في نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيع الطعام قبل قبضه ، قال : أحسب كل شيء بمنزلة الطعام « 1 » . ومن ذلك أن عمر وزيدا رضي اللّه عنهما لما قالا : إن الأم ترث ما بقي بعد أحد الزوجين في مسألة زوج أو زوجة مع الأبوين ، قاسا وجود أحد الزوجين مع الأبوين على ما إذا لم يكن هناك زوج ولا زوجة ، فإنه حينئذ يكون للأب ضعف ما للأم ، فقدرا أن الباقي بعد الزوج أو الزوجة كل المال . وهذا من أحسن القياس ؛ فإن قاعدة الفرائض : أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة واحدة ، فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى كالأولاد وبني الأب ، وإما أن تساويه كولد الأم . وأما أن الأنثى تأخذ ضعف ما يأخذ مع مساواته لها في درجته فلا عهد به في الشريعة . فهذا من أحسن الفهم عن اللّه ورسوله . ومن ذلك أخذ الصحابة رضي اللّه عنهم في الفرائض بالعول ، وإدخال النقص على جميع ذوي الفرائض قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم . ولا شك أن العول الذي أخذ به الصحابة رضي اللّه عنهم أعدل من توفية بعض المستحقين حقه كاملا ونقص بعضهم بعض حقه ، فهذا ظلم لا شك فيه ، وأمثال هذا كثيرة ، فلو تقصيناها لطال الكلام جدا . وهذه الوقائع التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكر تدل دلالة قطعية على أن الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا يستعملون القياس في الأحكام ، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر ، ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سند من أسانيدها ، فإنها في كثرة طرقها واختلاف مخارجها وأنواعها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شك فيه وإن لم يثبت كل فرد فرد من الإخبار بها كما هو معروف في أصول الفقه وعلى الحديث . المسألة الخامسة اعلم أن القياس جاءت على منعه في الجملة أدلة كثيرة ، وبها تمسك الظاهرية ومن
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في البيوع حديث 2135 ، ومسلم في البيوع حديث 29 .